عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
334
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أنّ الأهلّة وأشهرها ، إنّما جعلت مواقيت للنّاس ، دون الشمس وأشهرها ؛ لأنّ الأشهر الهلاليّة يعرفها كلّ أحد من الخاصّ والعام برؤية الهلال ومحاقه ؛ ولذلك علّقت الأحكام الشّرعيّة بالشّهور العربيّة ، كصوم رمضان ، وأشهر الحجّ ، وهي شوّال ، وذو القعدة وذو الحجّة . والأشهر المنذورة ، والكفّارات ، وحول الزّكاة وأشهر الإجارات والمداينات والسلم ، وأشهر الإيلاء ، وأشهر العدد ، ومدّة الرّضاع وما تتحمّله العاقلة في ثلاث سنين ، وغير ذلك ؛ بخلاف الشّمس ، وأشهرها ؛ فإن الشّمس لا يتغيّر شكلها بزيادة ، ولا نقص ، ولا يعرف أوّله وآخره ، ولا تختلف رؤيتها ، وكذلك أشهرها لا يعرف أوّلها وآخرها ، إلّا الخواصّ من الحسّاب ، وليس لها مواقيت غير الفصول الأربعة ؛ وهي الصّيف ، والشّتاء ، والرّبيع ، والخريف ؛ ولذلك لا يتعلّق به حكم شرعيّ ؛ فلذلك جعلت الأهلّة وأشهرها مواقيت للنّاس ، دون الشّمس . فصل [ أن اللّه سبحانه ذكر وجه الحكمة في خلق الأهلة ] اعلم أنّ اللّه سبحانه ذكر وجه الحكمة في خلق الأهلّة ؛ فقال تعالى : « قُلْ : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » وذكر هذا المعنى في آية أخرى ، وهي قوله تعالى : وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ يونس : 5 ] واعلم أنّ تقدير الزمان بالشّهور فيه منافع دينية ، ودنيوية . فالدينية : كالصّوم ، والحجّ ، وعدّة المتوفّى عنها زوجها ، والنذور المتعلّقة بالأوقات ، وقضاء الصّوم في أيام لا تعلم إلّا بالأهلّة . والدنيويّة : كالمداينات ، والإجارات ، والمواعيد ، ولمدّة الحمل والرّضاع . قوله : « والحجّ » عطف على « النّاس » قالوا : تقديره : ومواقيت الحجّ ؛ فحذف الثاني ؛ اكتفاء بالأوّل . وقيل : فيه إضمار ، تقديره : وللحجّ كقوله وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ [ البقرة : 233 ] أي : لأولادكم . ولمّا كان الحجّ من أعظم ما تطلب مواقيته وأشهره بالأهلّة ، أفرد بالذّكر . قال تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [ البقرة : 197 ] . فإن قيل : الصّوم أيضا يطلب هلاله ؛ قال عليه الصّلاة والسّلام - : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3 / 63 ) كتاب الصوم باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا رأيتم - الخ برقم ( 1909 ) ومسلم ( 3 / 124 ) والنسائي ( 1 / 301 ) والطحاوي في « مشكل الآثار » ( 1 / 209 ) والبيهقي ( 4 / 205 ، 206 ) والطيالسي في مسنده ( 3481 ) وأحمد ( 2 / 415 ، 430 ، 454 ، 456 ، 469 ) من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة مرفوعا . -